ابن العربي
801
أحكام القرآن
سعادته [ ولو ] « 1 » قبل موته بفواق « 2 » ناقة . ثم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم . العمل بخواتمه ، العمل بخواتمه . وفي الحديث الصحيح أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : أوّل ما خلق اللّه القلم ، فقال له : اكتب ، فكتب مقادير الخلق إلى يوم القيامة . وثبت في الصحيح أنه قيل : يا رسول اللّه ؛ هذا الأمر الذي نحن فيه أمر مستأنف أم أمر قد فرغ منه ؟ فقال : فرغ ربكم . قالوا : ففيم العمل ؟ قال : اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له ؛ أما من كان من أهل السعادة فييسّر لعمل أهل السعادة . ومن كان من أهل الشقاء فييسّر لعمل أهل الشقاء . ثم قرأ « 3 » : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى . وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى . وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى . وثبت عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : إنّ العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلّا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها . وإنّ العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها . فإن قيل : فكيف يجوز أن يعذّب الخلق وهم لم يذنبوا ، أو يعاقبهم على ما أراده منهم ، وكتبه عليهم ، وساقهم إليه ؟ قلنا : ومن أين يمتنع ذلك ؟ أعقلا أم شرعا ؟ فإن قيل : لأن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك . قلنا : لأن فوقه آمر يأمره وناه ينهاه ، وربّنا لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . ولا يجوز أن يقاس الخالق بالمخلوق ، ولا تحمل أفعال الإله على أفعال العباد . وبالحقيقة الأفعال كلّها للّه ، والخلق بأجمعهم له ، صرّفهم كيف شاء ، وحكم فيهم كيف « 4 » أراد ؛ وهذا الذي يجده الآدمىّ إنما تبعث عليه رقة الجبلّة ، وشفقة الجنسية ، وحبّ الثناء والمدح ، لما يتوقع
--> ( 1 ) ليس في ل . ( 2 ) فواق الناقة : ما بين الحلبتين من الراحة ، وتضم فاؤه وتفتح ؛ أي قدر فواق ناقة ( النهاية ) . ( 3 ) سورة الليل ، من آية 5 - 10 . ( 4 ) في ل : كما .